محمد بيومي مهران
203
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
على أن هناك من يرى أن « مناة » لا تمثل القدر ، الذي تمثله مناتو البابلية ، و « منا » العبرية ، ذلك لأن الدهر في تصور العرب والشعراء الجاهليين رجل ، لا امرأة ، وقد يفسر هذا استقسام العرب عند هبل وذي الخلصة بالأزلام ، وحلفهم فقط أمام مناة ، ويؤكد صفة مناة كذلك أن سيفي الحارث الغساني ( مخذوم ورسوب ) عثر عليهما علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عند مناة حينما هدمت ، لأن السيف رمز العدالة ، والإنصاف عند أهل البادية « 1 » . وأيا ما كان الأمر ، فلقد لعبت أيدي الوثنية الخبيثة بدين إبراهيم الحنيف ، وأصابت النكسة عقيدته السمحاء - التي قضى عمره يرفع لواءها في كفاح طويل وجهاد موصول ، فحطم الأصنام وتحدى الجبابرة - وهكذا انقلب القوم إلى عبادة الأصنام ، وجهلوا سر الفداء ، وسر البقاء ، وبدأ عصر الوثنية وتقديس الأصنام ، إلى درجة أن الرجل منهم كان يأخذ معه في أسفاره أي حجر من أحجار الكعبة ، يصلى إليه ، ويستأذنه في الإقامة والسفر ، ويؤدي إليه كل ما يؤدي للنجوم وخالق النجوم من طقوس العبادة ، ومن ثم فقد استقرت الوثنية وقدست التماثيل وقدم العرب لها القرابين « 2 » . ويروي الأخباريون أن الجاهليين كانوا قد وضعوا « أسافا » و « نائلة » داخل المسجد الحرام ، وضعوا كل واحد منهما على ركن من أركان البيت ، فكان الطائف إذا طاف بدأ بأساف فقبله وختم به ، وإن كانت هناك رواية أخرى تذهب إلى أنهما قد وضعا على الصفا والمروة ، وأن عمرو بن لحي هو الذي نقلهما إلى الكعبة ، ونصبهما على زمزم ، وعلى أي حال ، فيبدو أن
--> ( 1 ) عبد العزيز سالم : دراسات في تاريخ العرب 1 / 640 ( 2 ) ابن كثير 2 / 191 - 192 ، الأزرقي 1 / 123 ، كتاب الأصنام ص 32 ، حياة محمد ص 100